الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
77
مناهل العرفان في علوم القرآن
بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ . أي نشأ لهم في يوسف رأى جديد ، هو أن يسجن سجنا وقتيا ، بدليل قوله : « لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ » . ولعل هذا المعنى الثاني هو الأنسب والأوفق بمذهب القائلين به - قبحهم اللّه - . ولأن عباراتهم المأثورة عنهم جرت هذا المجرى في الاستعمال دون الاستعمال الأول . كتلك الكلمة التي نسبوها كذبا إلى جعفر الصادق رضى اللّه عنه : ما بدا للّه تعالى في شئ كما بدا له في إسماعيل . ذانك معنيان متقاربان للبداء ، وكلاهما مستحيل على اللّه تعالى ، لما يلزمهما من سبق الجهل وحدوث العلم ، والجهل والحدوث عليه محالان ؛ لأن النظر الصحيح في هذا العالم ، دلنا على أن خالقه ومدبره ، متصف أزلا وأبدا بالعلم الواسع المطلق المحيط بكل ما كان وما سيكون وما هو كائن ، كما هدانا هذا النظر الصحيح إلى أنه تعالى لا يمكن أن يكون حادثا ولا محلا للحوادث . وإلا لكان ناقصا يعجز عن أن يبدع هذا الكون ويدبره هذا التدبير المعجز ! . ذلك أجمل لدليل العقل . أما أدلة النقل فنصوص فياضة ناطقة بأنه تعالى أحاط بكل شئ علما ، وأنه لا تخفى عليه خافية « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » . وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » . اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ، وَما تَزْدادُ * وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ * عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ * سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ » . إلى غير ذلك من مئات الآيات والأحاديث . ولكن على رغم أنف هذه البراهين الساطعة من عقلية ونقلية ، ضل أقوام سفهوا أنفسهم ، فأغمضوا عيونهم عن النظر في كتاب الكون الناطق ، وصموا آذانهم عن